محمد بن أحمد الفرغاني

9

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

ومرّ رجل ومعه بلالين - أي مآزر - فدعا رجل : يا صاحب البلالين ، فطرب الشيخ وصاح ، وبكى وناح . وكان يشخص في أحد الأيام إلى الأسطوانة ، أو العمود الأسبوع فأكثر ، فلا تطرف عينه . وله من أمثال هذه الواقعات كثير ، وفي هذا القدر منها كفاية ، وناهيك بديوانه الذي اعترف بحسنه الموافق والمخالف ، والمعادي والمحالف ، سيما القصيدة التائية ، وقد اعتني بشرحها جمع من الأعيان : كالسراج الهندي الحنفي ، والشمس البساطي المالكي ، والشيخ علوان الحموي ، والجلال القزويني الشافعي ، غير متعقّبين ، ولا مبالين بقول المنكرين الحسّاد : شعره ينعت بالاتحاد . وكذا شرحها الفرغاني « 1 » والقاشاني والقيصري وغيرهم ، وعلى الخمرية وغيرها عدّة شروح . وقال أحد أهل الرسوخ : إن الديوان كله مشروح . وذكر أحد الأكابر أن واحدا من أهل الظاهر في عصر الحافظ ابن حجر كتب على التائية شرحا ، وأرسله إلى أحد عظماء صوفية الوقت ليقرضه ، فأقام عنده مدة ، ثم كتب عليه عند إرساله إليه : سارت مغرّبة وسرت مشرّقا * شتّان بين مشرّق ومغرّب فقيل له في ذلك ، فقال : مولانا الشّارح اعتنى بإرجاع الضمائر والمبتدأ والخبر والجناس والاستعارة ، وما هنالك من اللغة والبديعين ، ومراد الناظم وراء ذلك كله . وقد أثنى على ديوانه حتى من كان سيىء الاعتقاد ، منهم ابن أبي حجلة الذي عزره السّراج الهندي بسبب الوقيعة فيه فقال : هو من أرقّ الدواوين شعرا ، وأنفسها درّا ، برّا وبحرا ، وأسرعها للقلوب جرحا ، وأكثرها على الطول نوحا . إذ هو صادر عن نفثة مصدور ، وعائق مهجور ، وقلب بحر النوى مكسور .

--> ( 1 ) وهو هذا الشرح الذي بين أيدينا .